الشيخ الأزهرى محمد عبدالله الهندى يتحدث عن
البصمة الخالدة فى الحياة الدنيا
محمود فرج
كثيرون هم الذين يأتون الحياة ويخرجون منها كما دخلوها لم يغيّروا ولم يتغيروا، لكن القليلون جداً هم الذين يتأثرون بالحياة ويؤثرون فيها، يخرجون من الحياة لكنهم ما خرجوا، ويموتون لكنهم أحياء، ماتوا بأجسادهم وأبدانهم إلا أنهم أحياء بأرواحهم وأعمالهم! فقد عاشت ذكراهم وخلدت أعمالهم!
حول هذا الموضوع يقول فضيلة الشيخ محمد عبدالله الهندى من علماء الأزهر الشريف:
المؤثرون فى الحياة، أصحاب البصمات كانت تأثيراتهم فى نواح متعددة ومجالات شتى، كالطب، والجيولوجيا، والأدب، والفن، والسياسة، والاختراعات، والابتكارات، والاكتشافات، بل والحروب والتدمير، وغيرها من مختلف المناحى والاتجاهات، وصدق الله إذ قال "إن سعيكم لشتى" "الليل: 4"، "قد علم كل أناس مشربهم" "الأعراف: 160".
هؤلاء الخالدون أصحاب البصمات منهم من خلد التاريخ ذكره بمداد من نور، وكلما ذكر اسمه ذكر بالخير، وأثنى الناس عليه خيرا، وذكروا أعماله الفاضلة البناءة المعطاءة النافعة، كمن علم وبنى وشيد وعمّر وأثمر.
ومنهم من خلد التاريخ ذكره بمداد من نار ومداد من دم، وكلما ذكر اسمه ذكر بالشر، وأثنى الناس عليه شراً، وذكروا أعماله الجارحة الفاضحة بقبحها وقيحها وصديدها، كمن أشعل الحروب وفجر القنابل، وسفك الدماء ومزق الأشلاء، وخرب ودمر. فأصحاب البصمات منهم من مجده التاريخ ومنهم من لعنه التاريخ.
وأصحاب الأعمال الجليلة النبيلة الذين أثروا الحياة وتركوا لهم بصمات واضحة فى الدنيا ينقسمون إلى قسمين: قسم عمل للدنيا وفقط، فآتاه الله أجره فيها وما له فى الآخرة من نصيب، فنال المال، والجاه، والشهرة، والمناصب، وغير ذلك من متاع الدنيا. وقسم عمل ابتغاء وجه الله ورجاء حصول الخير للإنسانية والنفع للبشرية، فخلدت الدنيا ذكراهم، ولأجر الآخرة خير وأبقى، وصدق الله إذ يقول: "فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا وما له فى الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" "البقرة: 200- 201" وقال تعالى: "من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون" "هود 15- 16" وقال تعالى: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحوراً ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً كلاّ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا" "الإسراء: 18- 20" فعطاء الله ممنوح، وفضل الله يغدو ويروح، ونعمه تترا، وآلاؤه لا تعد ولا تحصى.
ويتساءل فضيلة الشيخ محمد قائلا: لكن ماذا صنعت أنت بهذا العطاء؟ وأين بصمتك؟ وإن كانت لك بصمة فمن أى نوع بصمتك؟ ويجيب فضيلته: لابد أن تكون لك بصمة فى الدنيا تنفعك وتعطيك وتمنحك - بإذن الله - ما بقيت الدنيا، فبحلول الأجل ينقطع العمل، إلا لأصحاب البصمات، والمسلم لا يعمل للدنيا فقط، بل يعمل للآخرة والأولى، والآخرة خير وأبقى "واتبع فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد فى الأرض إن الله لا يحب المفسدين" "القصص: 77" والمسلم يعلم يقيناً أنه سيقف بين يدى مولاه ليسأله عما قدمت يداه "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" "الزلزلة: 7- 8".
وقد أشار النبى الأكرم والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الأثر وتلك البصمة فى أحاديث صحيحة صريحة كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" "صحيح البخاري"، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" "صحيح مسلم"، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره وولدا صالحا تركه ومصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته تلحقه من بعد موته" "صحيح مسلم"، وفى قوله صلى الله عليه وسلم: "من سنّ فى الإسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سنّ فى الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء" "صحيح مسلم"، وكذلك فى الإفساد أيضاً فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان من سنّ القتل" "صحيح مسلم"، فهذه أيضاً بصمته وهذا نتاجها.
وأروع من أمثلة السنة أمثلة القرآن عن البصمة كما فى قول الله تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون" "إبراهيم: 24- 25".











تعليقات (0)
اخبر صديق
اطبع