حامد المهيري
"احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" حديث نبوى رواه مسلم. إنها وصية يحتاجها كل إنسان منذ بدء الخليقة إلى آخر الزمن. هى حرص الإنسان على طلب ما ينفعه، والاستعانة بالله أثناء السعى فى الطلب، وتحدى العجز بالصبر ودوام السعي. لكن للأسف لم يتمسك إنسان هذا العصر إلا بجلب النفع لنفسه مهما كان مأتاه ومصدره دون التوكل على الله والسعى المبرور وبذل الجهد فى العمل لنيل المبتغى.
لقد غربت الواقعية الحياتية، وغاب الاهتمام بشؤون حياة الناس ومتغيرات واقع الحياة، وتنامى الإنكار والرفض بحجة التخصص الضيق دون مراعاة نطاق البحث العلمى ذاته ووسائله التى قد اتسعت وتغيرت، وكثير من طلبة علوم الدين والتراث على جهل بها وبأدواتها ووسائلها. ومن حق الناس أن ينادوا بإعادة النظر المعمق، ومعرفة وجوه القصور، وأخذ واقع الحياة ومقاصد الشريعة ومصالح العباد فى الحسبان. وتنقية الثقافة الإسلامية من فكر الخرافة، ومما يدمر العقلية العلمية الإسلامية ويعيق مشروع الإصلاح الإسلامي.
فمن واجب العلماء أن يطهّروا بعض النصوص من التحريف والخرافات والمزاعم الدخيلة بتحر ودقة وتمحيص، وأن يتجنبوا فكر العجز والعزلة وقلة الخبرة والتجربة فكلما زاد العجز الفكرى وعدم القدرة على الاجتهاد لمتابعة المتغيرات ازداد طلب النص على حساب الفكر، والنظر المقاصدي، مما يفسح المجال للتقليد الحرفي، حتى أصبح بعضهم يفضل الأخذ بالنص الضعيف على الأخذ بالرأي.
والرأى فى الشريعة ليس القول الجزاف ولا اتباع الهوى، ولكنه تلمّس روح الشريعة ومقاصدها حتى لا تتوافر النصوص المباشرة ولا يسعف القياس عليها فى تحقيق مقاصد الشريعة ومصالح الخلق.
إن قضية الخلاف بين المتجادلين سواء فى ما يتعلق بالمنهى عنه أو المسموح به، يدل على اختلاف وجهات النظر فى أصل سلامة ما يستشهد به دون دراية خشية سوء الفهم لعدم إدراك الظروف المكانية والزمانية للشواهد المقدّمة والحجج وما يتعلق بمجالاتها فهل هى من باب البلاغ أى تبليغ الرسالة "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين" "المائدة آية 92"، أم هى توجيهات تتعلق بدور الرسول صلى الله عليه وسلم فى الحكم وإدارة الدولة والرعية والتعليم والتنوير فيما يخص الناس والمجتمع، بحسب حال الناس وإمكاناتهم وما يعرض لهم من حاجات وظروف وأحداث يجتهد لهم فيها بحسب حالهم على ضوء هدى الشريعة المنزلة "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا" "النساء آية 59"، أم هى طاعة فى أمر بعينه لن يفصله القرآن الكريم ليبينه الرسول صلى الله عليه وسلم ويفصله من باب السنة الفعلية وهو ما نص عليه القرآن بعينه بشأن الصلاة والزكاة "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون" "النور آية 56" فالصلاة والزكاة ركنان من أركان الدين لم يتعرض القرآن الكريم لتفصيل أمر أدائهما، على عكس الصوم والحج اللذين وضّح القرآن الكريم أساسياتهما فى نص متنه وبذلك كانت السنة النبوية ولا سيما الفعلية منها هى المصدر الأساس بشأن أداء الصلاة والزكاة.
أما ما كان من قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله متعلقا بشؤون الحياة ومطالب العيش فيتضح فيما رواه الإمام مسلم عن رافع بن خديح أنه قال "قدم نبى الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يأبرون النخل يقولون يلقحون النخل، فقال "ما تصنعون؟" قالوا "كنا نصنعه" قال "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا" فتركوه، فنفضت أو فنقصت قال "فذكروا ذلك له "فقال "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأى فإنما أنا بشر".
وقد ثبت لدى أهل الذكر والبحث العلمى المعمق أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الصحيح، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، وهذا يوجب على الباحث والمجادل أن يتثبت قبل أن يبنى حكمه فى أى قضية من القضايا الحياتية التى تتعلق بحال الناس وظروف عيشهم وما يجد من أحداث فى واقع الحياة وتحتمه الضرورة الحياتية وواقع المجتمع.
وفى اعتقادى أن أفضل منهج أن نعتمد نصا ثابتا من القرآن ويكون هو الحكم بين الاجتهادات البشرية فى عديد القضايا المستحدثة والمستجدة لمسايرة سنّة التطور والتغير، تغير ما بالنفس، كما أشار القرآن لذلك "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم" "الرعد آية 11" وتيقنت بعد مراجعتى للقرآن أن الآية "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" "البقرة آية 143" تمثل بوضوح الإسلام المعتدل الذى اختاره الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا وقد نهى بقوله تعالى "يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحق" "النساء آية 171" وقوله "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل" "المائدة آية 77" وأكد هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه أحمد وغيره عن ابن عباس "إياكم والغلو فى الدين فإنما هلك من قبلكم بالغلو فى الدين".
فهناك توافق تام بين النص القرآنى والسنّة النبوية حول الوسط، ففى الحديث "خيار الأمور أوساطها" وفى القرآن كما ذكرت "أمّة وسطا" أى عدلا قال الزجاج فى الآية قولان "قال بعضهم وسطا عدلا وقال بعضهم خيارا، واللفظان مختلفان والمعنى واحد لأن العدل خير، والخير عدل، وقيل فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم: إنه كان من أوسط قومه أى خيارهم، تصف الفاضل فى النسب بأنه من أوسط قومه. وهذا يعرف حقيقته أهل اللغة لأن العرب تستعمل التمثيل كثيرا وفى هذا الموضوع توسعة فى اللغة العربية فاحرص على ما ينفعك يا مؤمن واعتدل إن كان إيمانك صادقا.











تعليقات (0)
اخبر صديق
اطبع