حامد المهيري
"لولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتّع، لانصب عليكم العذاب انصبابا" هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظنا أن الأطفال سبب فى عدم نزول العذاب على من خالفوا المنهج المستقيم إضافة إلى كبار السن الذين يخشون الله، والحيوانات التى ترعى فى أرض الله.
لقد كان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للطفولة يملأ قبله المضيء، إذ صعد المنبر ذات يوم، يخطب الناس، ورأى الحسن والحسين يجريان، ويتعثران، فقطع خطبته، ونزل، فاستقبل الطفلين، وحملهما على ذراعيه ثم صعد المنبر، وقال "أيها الناس "إنما أموالكم وأولدكم فتنة" "التغابن آية 15" والله لقد رأيت ابنى يجريان، ويتعثران، فما أطقت حتى نزلت، فحملتهما". ودخل الأقرع بن حابس على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يقبل حفيديه، الحسن والحسين، فقال له "أتقبل ولدى ابنتك، والله إن لى عشرة من الأولاد ما قبلت أحدهم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما عليّ إن نزع الله الرحمة من قلبك".
فالإسلام لم يهتم بالطفل فقط من وقت ميلاده، وإنما قبل تكونه، إذ أمر أن يقام الزواج على أسس القيم الأخلاقية، والتربوية، فقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه، فزوجوه إلا تفعلوا، تكن فتنة فى الأرض، وفساد عريض"، لأن الخلق مدار حسن المعاش والدين مدار أداء الحقوق. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام عن الزواج من القربة القريبة "اغتربوا لا تضووا" أى لا يهزل نسلكم، وقد أشار القرآن أن الطفل يتكون من نطفة أمشاج "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج" "الإنسان آية 2" أى من جملة أخلاط من أب وأم، ومن الخصائص الوراثية للأسرتين، ومعنى هذا أن الطفل المتباعد النسب بين أمه وأبيه، يكون أخصب عقلا، وأرحب فكرا، وأقوى جسما، وبذلك يكون الإسلام قد سبق العلماء الذين أثبتوا بعد قرون، ما للوراثة من أثر، مؤكدا أنه إذا تم اختيار الزوجين على أساس سليم، كان الأولاد حقا زينة الحياة الدنيا، وعلى هذا الأساس أجاب عمر بن الخطاب عن سؤال أحد الأبناء "ما حق الولد على أبيه؟" بقوله "أن ينتقى أمه، ويحسن اسمه، ويعلّمه القرآن".
وبما أن الطفل يمتص بجذوره الوراثية، ما يعلق من خصائص الخؤولة، والعمومة، وعناصر الأبوة والأمومة، كان لا بد للإسلام من أن ينظم هذه العلائق، ليحفظ على الطفل جلاله ومهابته، وينظف له أخلاقه ووراثته، ليخرج إلى الناس والمجتمع، لا تشوبه شائبة أو يشينه ما يشين، أو يحط من قدره سلوك، أو يلحق به سوءات آبائه، وأجداده، وذويه، من الناحيتين، ناحية الأب، وناحية الأم، لأن العرق دساس أو نزاع كما يقول الرسول عليه الصلاة والسلام. مما تقدم يتضح أن الإسلام لا يعتنى بالطفل فقط من يوم مولده، بل يرعاه فكرة، ويحضنه غيبا، ويخطط مستقبله، ولم يزل أمنية هائمة فى ضمير الغيب، فبمجرد التفكير فى تكوين الأسرة يحدد الإسلام للمولود المنتظر معالم الطريق.
إن الطفل ثمرة اللقاء الحار بين الأبوين، والأبوة والأمومة معنيان نبيلان، أودع الله فيهما من رحمته ومودته، وسكب عليهما من لطفه وبره ما أورثهما معنى التلاحم والاستمرار. والعلاقة الحميمة يبن الأبوين لولدهما لم يترك مجالا لقول قائل: إنه آية من آيات الله، ونعمة كبرى على البشرية كلها، قال تعالى "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" "الروم آية 21" وقد فسر بعض المفسرين المودة والرحمة بالطفل، الذى يقوى العلاقة الحميمة بين الأبوين ويجعلها أكثر أمنا واستقرارا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أحبوا الصبيان، وارحموهم، فإذا وعدتموهم، فوفوا لهم، فإنهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم". فالإسلام اعتبر الأطفال بشرى "يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى" "مريم آية 7" وهم قرة العين "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين" "الفرقان آية 74" وهم زينة الحياة الدنيا "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" "الكهف آية 46" ورسم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العالم، وكأنه عالم قريب من عالم الجنة فقال "الأطفال دعاميص الجنة" والدعاميص نوع من الفراشات الجميلة.
لقد أكدت شعائر الإسلام وآدابه على المساواة بين الأبناء، حتى فى التقبيل، إذ نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل له ابنان، قبل أحدهما وترك الآخر، فقال له الرسول الإنسان "فهلا ساويت بينهما"؟ كما أمر الإسلام بعدم التفرقة بين الفتى والفتاة، بل كلاهما فى نفس الميزان، لا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمقدار الأصالة، والأخلاق الفاضلة، يقول الله تعالى "فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم، من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض" "آل عمران آية 195" فالمساواة تجنب تأذى مشاعر بعض الأولاد، وعواطف البعض الآخر، لأن حصول هذا الشعور بالتأذى ينجر عنه إضمار السوء، وحلول البغض، مكان الحب والخصام، محل الوفاق والوئام، فيكون التعقيد والانحراف، والشذوذ والعقد النفسية، والكبت والعزلة القاتلة، التى تقتل الإحساس، وتؤذى المشاعر.
وكثيرا ما نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن تمييز الذكور وتفضيلهم على الإناث، إذ قال صلى الله عليه وسلم "خير أولادكم البنات" بل يذهب إلى أبعد من ذلك فيقدم البنت على الولد فيقول "من دخل السوق فاشترى تحفة، فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور" والتحفة هى اللعبة، والصدقة معروفة، والمحاويج هم المحتاجون، إن التحفة واللعبة، تدخلان على الطفل الفرحة والسرور والسعادة، وتزرع على ثغره البسمة، وقد أصبحت وسيلة لتنمية المعارف والمدارك، والبدء بتوزيع هذه التحفة على الإناث قبل الذكور، يجبر خاطرهن، ويدفئ مشاعرهن، ويدخل عليهن البهجة والسعادة.
وفقنا الله إلى تربية فلذات أكبادنا، ما وسعنا الجهد، على نور من الله وعلى هدى من تعاليمه.











تعليقات (2)
اخبر صديق
اطبع