أبراج سكنية تتماوج على طول الساحل بكل رشاقة وسط بنايات ومنازل فخمة، وبالقرب منها مجمعات سياحية وفنادق ومدارس من اعلى طراز ، ومكاتب وأرصفة لليخوت وملاعب للغولف. وفى قلب هذه الفسيفساء"الافتراضية" من المعدن والخرسانة تنمو مشاريع تتنافس بحماس فى سباق الابهار والفخامة والضخامة لتساهم فى بناء "اعجوبة القرن".
هذه ليست مدينة من مدن امريكا او دبى الحالمة بل هى مدينة فى باب المتوسط ستفتح احضانها لاضخم ثروات العالم ..انها حملة بناة الصحراء.. فـ"سما دبي" و"إعمار" و"القدرة" و"بوخاطر" اسماء شكلت العناوين البارزة فى الاقتصاد التونسي. هؤلاء لا يخفون طموحاتهم فى احتلال مكانة مهيمنة فى الاستثمار العقارى العالمى وبـ"سرعة"، من خلال أعمال استثمار إستراتيجية ومحددة. والهدف -هذه المرة- تونس، هذا البلد الصغير، الذى له من الانجازات ما يجعل رجال الاعمال القادمين من صحراء الجزيرة العربية يهرولون نحوه لتوظيف دولاراتهم النفطية.
"استثمر وقتك...استثمر فى تونس" ومضة اعلانية لها دلالات واضحة تؤكد ان "قرطاج" اصبحت فعلا مركزا للاستثمار بشهادة منظمات وهيئات دولية، فالبنيةالتحتيية عصرية، وفى تطور مستمر، وتستجيب لمتطلبات الشركات ذات التكنولوجيا العالية، كما ان الاجراءات القانونية مبسطة والاطار التشريعى مشجع على الاستثمار.
رودريغو دى راتو المدير العام لصندوق النقد الدولى يقول ان تونس تعيش مرحلة هامة للغاية على المستوى الاقتصادي، حيث توفقت فى النجاح لا على مستوى استقرار الاقتصاد الشامل فحسب بل فى تحقيق نسق نمو اقتصادى مرتفع وعديد الانجازات الهامة فى ميدان التشغيل، وبالخصوص فى مجال تقليص نسبة الفقر.
اختيار تونس كوجهة جديدة لاستثمار الاموال الخليجية، لم يتأت من فراغ ولم يكن فكرة "ساذجة" تسعى لتحقيق اكثر الاحلام جنونا. فالخبراء يؤكدون ان احداث سبتمبر 2001 فاقمت مخاوف الخلجيين من "بعبع" الغرب الذى عرقل اغلبية استثماراتهم وخلق "تشنجا" فكريا واقتصاديا. الشيء الذى جعل "أمراء" النفط ينفذون الى شمال افريقيا -وخاصة تونس- متظللين فيها بسحابة الامن والاستقرار والنمو الاقتصادي.
ورغم تأكيد البعض على ان "الحملة" الخليجية على بلدان شمال افريقيا سببها الرئيسى انخفاض تكلفة المشاريع بـ 20 فى المائة بالمقارنة مثلا مع الأسعار فى إسبانيا. ورغم سخاء المستثمرين الخلجيين، فان الثابت هنا ان وجهتهم الجديدة "شمال افريقيا" تؤمن لهم امتيازات جيدة كانوا يفتقدونها فى الغرب.
وحرصت تونس فى الآن ذاته، على تأهيل كوادرها من منطلق ايمانها بالقدرة الهائلة للثروة البشرية فى تنمية الاقتصاد وتطوره . وقد تبدو هذه الفلسفة طموحة فى كثير من أبعادها، خاصة أمام الانعكاسات المتراكمة التى تفرضها العولمة، لاسيما على بلدان العالم الثالث.
وصفت مجلة "نيوزويك الأمريكية "تونس بـ"البلد الذى يعمل"، مؤكدة ان الأحلام ليست عصية على التحقيق فى بلد صغير نسبياً لا يتجاوز عدد سكانه 10 ملايين، ولا يبلغ الناتج القومى فيه إلا نسبة ضئيلة من رأسمال عملاق البرمجيات مايكروسوفت.
ورغم ذلك استطاع هذا البلد الصغير أن يحقق "معجزة استثنائية" مقارنة بمحيطه، فهو لم يتعرض لصعوبات كالتى شملت سائر الدول العربية رغم بلايين الدولارات التى يجنيها البعض من عوائد النفط ، ورغم الملايين التى تغدق على البعض الآخر ليكون مصيرها غالباً التبذير والضياع بسبب الفساد وسوء التصرف.
وتمضى الصحيفة قائلة: تونس وحدها كانت قادرة على بناء اقتصاد ناجح، معتمدة على مواردها الذاتية وأهمها الإنسان التونسى الذى راهنت على بنائه منذ الاستقلال. وهى الوحيدة التى استطاعت خلق اقتصاد قوى لا يرتكز على تصدير البترول، محققة نسبة نمو تجاوزت 5.2 بالمائة.
علما ان تونس احتلت المرتبة 30 عالميا من حيث القدرة التنافسية للاقتصاد من بين 125دولة فى التقرير الاخير للمنتدى الاقتصادى العالمى بدافوس.
ورغم الازمات المالية العالمية وارتفاع اسعار النفط وغلاء اسعار الغذاء، تمكن هذا البلد بامكانياته الجغرافية والبشرية من التحكم بكل حرفية فى عجلة التنمية واستقرارها ليصبح انموذجا اقتصاديا ذكيا.
مايكل كلاين نائب رئيس التنمية المالية والقطاع الخاص بالبنك العالمى قال ان تونس أنموذج ناجح فى مجابهة الصدمات الخارجية "تقلبات مناخية وازمات عالمية وتقلّب عملات المديونية والاستثمار وارتفاع أسعار البترول..." وفى ظل هذا الزخم من المشاكل تمكن التونسيون من "تحقيق نسبة نمو ديناميكية ومتواصلة".
والملاحظ ان سياسة الصرف الصحيحة والدقيقة التى تتبعها تونس منذ سنوات اثبتت جدواها واكدت جاهزية القطاع المالى التونسى -وبشكل جيد- للتعامل مع تدفق هذه الاستثمارات رغم تشكيك البعض فى قدرته على استيعاب مثل تلك الاموال الضخمة.
الكاتب والصحفى اللبنانى خيرالله خيرالله تطرق بكل موضوعية الى هذا الشأن قائلا "ان موارد البلاد التونسية كانت وما تزال تخصص لتطوير البنية الأساسية وتنمية الاقتصاد والنهوض بالكفاءات البشرية ونشر المعرفة". خيارها الأوحد حسب قوله "التوزيع العادل للثروات وعدم التمييز بين الرجل و المرأة و الانفتاح على الخارج".
والثابت ان هذه السياسة، التى يبرهن عليها الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى المثاليان، تمنح المستثمر الأجنبى خمسة دوافع رئيسية - على الأقل - لاختيار تونس وجهة لاستثماراته، أولها قدرة تنافسية مؤكدة، ثانيها انفتاح وقرب من الأسواق، وثالثهااقتصاد حر، ورابعها توفر موارد بشرية ذات كفاءات، اما خامسها فأجور ذات تكلفة تنافسية.
ويبدو ان سحر المدن التونسية واجواءها المنعشة لا يقاوم، حيث تدفقت المشاريع الخليجية فى اطراف العاصمة الخضراء وسط حراك اقتصادى سريع وفريد. وتجلت فلسفة الاستثمار فى قدرة الاقتصاد التونسى على تحقيق طفرة نوعية وكمية من خلال جذب اكبر مايمكن من الاموال الخليجية. وبالفعل حصلت تونس على نسبة هامة من الاستثمارات الخليجية الموجهة الى شمال افريقيا قدرت بحوالى 60 مليار دولار.
الاماراتيون قادوا الرحلة الى ضفاف المتوسط. و كان لـ"اندفاعهم" الاستثمارى وقع كبير. ففى ظرف وجيز، قلبت الإمارات موازين اللعبة لصالحها، وباتت أكبر مستثمر أجنبى بتونس، بعد أن كان الأوروبيون، وتحديداً الفرنسيون، الشريك التجارى الأول لتونس، وأكبر مستثمر فيها على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.
وأعلنت مجموعة "بوخاطر" عن مدينتها السكنية والترفيهية والرياضية المتكاملة على ضفاف بحيرة تونس الشمالية، وهى من أرقى المنتجعات السكنية والتجارية للعاصمة التونسية.. باعتمادات خمسة مليارات دولار أمريكي.
وكشفت "شركة إعمار العقارية" تفاصيل خطتها الاستثمارية الجديدة فى تونس، التى تهدف إلى تطوير مشروع "مارينا القصور" على الساحل الشرقى التونسي، وذلك بكلفة إجمالية تصل إلى 1.88 مليار دولار.. ويقع المشروع السكنى الجديد، الذى يحتضن قرية سياحية فى وسطه، على ساحل أحد أجمل المدن التونسية "سوسة"، باتجاه خليج الحمامات.
"مشروع القرن" كان "الرقم" الابرز والاضخم فى سجل الاستثمارات الخليجية بتونس حيث قدرت تكاليفه الإجمالية بنحو 14 مليار دولار أمريكي. هذا الرقم "المربك" للبعض ، هدفه خلق مدينة جديدة على ضفاف البحيرة الجنوبية فى تونس، تضم 14 فندقا راقيا بمواصفات "برج العرب"ومجمعات متكاملة. والاكيد ان جمالية هذا المشهد لا تكتمل الا بكفاءات تونسية..قادرة على جعل تونس "مدينة تحلم وتعمل..".
الامر الاهم فى خضم هذه الطفرة الاستثمارية هو خلق عشرات الآلاف من فرص العمل وتقليص نسب البطالة فى بلد يعانى كغيره من صداعها المزمن، حيث اكد مسؤول تونسى ان الاستثمارات الخليجية يتوقع أن تخلق 200 ألف وظيفة على مدى 15عاماً قائلا ان هذه المشروعات "ستسرع النمو الاقتصادى التونسي.. وستساعد الدولة على مواجهة تحدى البطالة وتجذب مزيدا من الاستثمارات الأجنبية".
المشروعات الكبرى لا تزال تمضى وفق ما هو مخطط له وبدأت ملامحها فى التبلور على الارض بوتيرة متسارعة خلافا لما يروج له البعض من بطء وتشاؤم من قيام هذه المشروعات وتحول وجهتها الى آسيا.
الاكيد ان ثقة المستثمرين فى الخبرةالتونسية ساهمت بشكل واضح فى إدراج الرقم التونسى ضمن حسابات أعمالهم وبرهن مرة اخرى على ان مفاتيح اللعبة الاستثمارية تكمن فى الثروة البشرية، السبيل الوحيد لتحقيق "المعجزة" الاقتصادية التونسية التى بدأت تتراءى للعيان.























تعليقات (0)
اخبر صديق
اطبع