::| كلمات:       [بحث متقدم]  
 

صفحة البداية
جميع المواضيع
مسلسلات تلفزيونية
مسلسلات تلفزيونية 2
محليات
عالم الفن
كوكتيل
سياحة وسفر حول العالم
علوم وتكنولوجيا
   » تجديديات واختراعات
   » الكمبيوتر والانترنت
   » تعليم الحاسوب
   » عالم الهواتف والاتصالات
اعجبني فنقلته لكم
جديد في السينما
رياضة
Yafanet Motor
   » Concept Cars
كلام في كلام
اضحك بلا اسنان
ابداعات , ثقافات وادب
   » احاسيس: وسام جندية
   » الروائع : منير خليلية
   » شعر محمد حسني عرار
   » روايات وقصص قصيرة
   » مقالات ادبية
مواقف وآراء حرة
   » منبر الاحرار - حسن عثمان
   » ميرا جميل
شنطة سفر
مواضيع اجتماعية
بنات حواء
   » المطبخ
   » اثاث وديكور منزلي
الحياة الزوجية
الطب والصحة
الزاوية الانجليزية
الزاوية الاسلامية
   » الحديث والسيرة النبوية
مقابلات ولقائات
Google News
اخبار العربية
English News
الاخبار

::| Poll
اذا علمت ان الافلام والمسلسلات يتم تخفيض جودتها بحده للتمكن من بثها عبر الانترنت, فماذا تفضل ؟
لا ابالي بجودة الصورة وافضل المشاهدة مباشرة
افضل تنزيل الفيديو الى جهازي من اجل التمتع بجودة الصوت والصورة
::| المجلة الالكترونية
الاسم:
بريدك الالكتروني - الصحيح:
 
 
::| اخر الاخبار
 
 
ابداعات , ثقافات وادب
 
ومن ألحب ما قتل
Saturday, 08.23.2008, 09:51am (GMT+2)

ومن ألحب ما قتل

أعرفها جيدا, نعم اعرفها! "هيفاء" كان اسمها, اسم في قمة الجمال وفي قمة الخيال والكمال, اسم أحرفه تحمل أسمى معاني ألعطف والشفقة والرأفة.
اسم مكون من خمسة نجوم وكل نجمه تروي موقفها بذاتها وبعزة نفسها, فكل واحده تلمع بسماء الأسطر عندما يكتب اسمها! وترتجف منها الأوراق خشيتا من معنى اسمها الغادي, اسمها الشادي والصافي.
كل نجمة تفخر وتعتز بوجودها باسم"هيفاء", إنها تروي حكايتها مع قمر اسمها في السماء.
دار الحوار بين الخمسة نجوم, وكل نجمة بدورها تفاخر بكيانها وتثبت أهميتها وترقص طربا بتشكيلة اللفظ في أعاليها.
الهاء بدورها تقول: "هزأت من الأسماء التي تحاول تقليدي, فأنا لا مثيل لي".
والياء تقول:" يا من ادعيت بالحب فعلا, أين الحب منك وفيك قاتلي؟".
والفاء تقول بكل عزم وغرور:"فليكن معلوم لديك يا سيدي, إن كان انفك فوق النجوم, فالنجوم تحت قدمي!".
والألف بدورها تفتخر وتقول: ألف أنا وليس غيري ألف ثانيا, الأبجدية كلها لم تزفر تخطيا, أمصر أنت حتى حين معي تحديا؟".
والهمزة الأخيرة بدورها استأذنت وقالت:" اسمحوا لي الآن أن اروي لكم قصة هذه الفتاة,قصة "هيفاء".
هيفاء صغيرة أهلها,مدللتهم, محبوبتهم جميعهم, يعاملوها أهلها كأنها زهرة في كأس يروونها كل يوم من ماء الحياة الصافي لتكبر وتزهر ويزداد بهاءها ولا تذبل.
فقد فازت بثقة الجميع بها, صبرهم عليها, وعطفهم, لم يفكروا أن يخطأوا بحقها, أو حتى جرح كيانها وقصف قلبها.
تعرفت "هيفاء"( وكم يؤلمني المناداة باسمها) على شاب لا اذكر كيف؟ ومتى؟ وأين؟ وحتى لماذا؟!
وإذا سألتموني لماذا, أقول لكم هو الزمان القاسي, الغدار, ألأحمق, المتيم بحرق قلوب البشر.
فقد حرق قلبها عندما جمعها مع هذا الشاب, لست متأكد انه مخلوق من البشر فقط; وما زلت أذكر أن اسمه" وجدي"!!!
وجدي تعني رمي القلوب بجنهم, إحراقها بالنار, هلاكها بالعذاب, ويتلذذ عذابها من حين إلى حين, ولا يشبع بل كان دائما يطلب المزيد.
أحبته بكل غرور وسرور, أحبته بقُرة عيناها, بلهفة روحها, ببراءتها وبضريرة الأعين. أحبته شكلا ومظهرا وكلاما معسولا مغمسا بالعسل أحبته جوهرا, طيبة قلبه, حنانه الكافي, لسانه الأملس, ويداه المصنوعتان من النار, كلما أعطيتها منك ازدادت اشتعالا وطلبا للمزيد! وإذا حاولت رشها بالماء نازعت وفارقت الحياة, ولكنها تترك اثر جريمتها وراءها, تتركها سوداء معتمه ملقحة على الأرض بعدما أعطيتها إياه نظيفة, بيضاء ناصعة, وشريفه عفيفة طاهرة.
أحبته رغم رفض أهلها ورفض جميع من أحاطها, رفضوا غربته, فهو كان يسكن ببلاد بعيدة عن بلادها, بلاد الغدر والغضب, بلاد القسوة وجرح القلوب.
رفضوا وجوده بحياتها رغم إصرارها وحبها وعزيمتها بأن تبقى متمسكة بيده ويمشيا معا طريق الشوك, فقد كان يسير معها على بساط من ورود, رائحتها زكية شهية, سرق منها محبة أهلها وأصدقاءها, فقد أفرغت بداخله كل قواها وعشقها.
كانت تلتقي معه بخفية عن أهلها, تمثل دور ألبطلة ألشجاعة التي تغامر دون توقف,تأكدت انه حلم في حياتها سوف يتحقق عما قريب, وتأملت إلى ما لا نهاية, ولم تحسب انه كابوس استولى على حياتها, تربع على عرش قلبها, على سرير طفولتها, على وسادة أحلامها, وعلى حدائق حياتها التي تحولت من زهور إلى حدائق شياطين على هيئة بشر.( أي ذنب اقتحمت لتنال هذا العقاب؟).
كلما كانت تلاقيه كانت تردد نفس العبارات المجروحة,ألخارجه من فم غمرة الحنان والشوق والتحدي:" حبيبي, لن يفرقنا احد!".
وكان يجيبها بصوته الجاف العطشان الذي لطالما روته من ماء قلبها وحنانها:" وأنا أعدك بذلك, باسمي وباسم رجولتي!".
والمسكينة تسمع كلماته وكأنها تسمع تغريد العصافير تطرب عند سماعها, فكانت تخرج دخان رمادي خارج من قلب قتله الحب بنيران قتل الحب وأقسى معانيه.
استمرت بتمثيل دور"ليلى" بكل قوتها, وأتقنته على أتم وجه.
"ليلى" أحبت "قيس" وقتلها حبه و"هيفاء" أحبت "وجدي" وقتلها حبه بالحياة.
يا لها من قصة رائعة احتلت قلوب البشر, احتلت حتى صلابة الحجر, حلمت دوما تلك الفتاه أن تعيش هذه الحياة وتسرح بأشواقها وتحلق على ظهر غيومها الماطرة خير وأمان.
وفي يوم عند لقاءهما معا قال لها:
"حبيبتي, مهما طال الزمان, وطاردتني الأفكار من مكان لمكان وطار مني بلبل الأحلام, والله ما ذهبتِ من قلبي العطشان".
وكانت تجيب:" وأنا, أعدك بان لا أبتعد عنك, وفعلوا أهلي ما فعلوا, فأنت لي وأنا لك!".
يحضنها بحنان صدره متألما:" بدقات قلبي وحسرتي أتساءل, لماذا يرفضونني اهلك, رغم كل الحب والتحدي الذي أشعره تجاهك؟ فأنا مغرم بك وسأثبت لكل العالم حبي وعشقي, أنتِ أمي أنتِ ملاكي, لا أتصور حياتي من دونك يا حبة لؤلؤ عقدي ويا مهجة قلبي ونبضاته".
تجيبه قائلة:" لا ادري, بظني أنهم يحبونني ولا يحتملون غربتي وبعدي عنهم, لكنهم سوف يخضعوا ويستسلموا طالما أنا وأنت يد بيد لا يفرقنا أحد".
الزمان ينظر ويتطلع على هذا الحوار المعذب, على عذابهم المستمر والجاري لا يعرف أحد إلى أين! وربي من أعالي السماء يمهد لهم السبيل, فكان يمهل ولا يهمل رغم كل الظروف القاهرة الحاقدة والمتطرفة.
ورغم صبرهم وتشوقهم والتقاءهما المنتظر من سنة لسنه.
وكل يوم كانت تتذوق الآلام من أهلها وتشبع التهاما من آهاتها الآهات ولا تقول التوبة, بل تزداد حبا والهام, عشقا وولعا.
ضربوها أهلها بكل ما لديهم, أطلقوا عليها ألقاب لا تليق بها, ويعذبوها عذاب النار لإبراهيم, فقد كانت بردا وسلاما وكلما ازدادت نار العذاب والمعاناة ازدادت حبا وغراما وأمان.
فكانت تهاتف مجنونها وتشكي له آلامها وكم هي تتعذب وتنهار وتبكي دم مكان الدموع. وكيف يكويها بعده وغربته, فقد حرمت من حنان يداه وضمة صدره, كم تمنت أن يكن قريب منها ليساندها ويمسح دموعها بيده المرتجفة قائلا:" لا تخفِ إن الله معنا".
وهو تضربه السكاكين في قلبه لا يدري من أين والى أين سينتهي هذا كله!! ومتى سيستيقظ من هذا الكابوس ويوقظ عشيقته معه.
كان يبكي عليها, ولكن لا يستطيع أن يحرك ساكن في داخلها, غاص في بحور الدموع, وأوشك على الغرق, فأجواء بحر حبها وعذابها هائجة بين تلاطم الصخور وصوتها كنعيق البوم جاء ليخبر بالشر تلو الشر.
أواااااه, كم هو أليم بُعد الأحبة وكم هي قاسية في الروح.
دموعها غسقت أعينها, أهلكتها, فأصبحت دوله لا يعيش فيها سوى الأحزان.
قهر وحزن, وكآبة انتابته كلما سمع آلامها, فيعجز عن الحركة والدفاع عنها, خوفا من سمعتها وكرامتها بين أهلها وبلدها.
فقد كان حبها أقوى من الإعصار, وصوتها يطارده في كل مكان وقدمه تأخذه إليها دون استئذان, قلبه يغلي كالبركان, وعينه تدمع لا تستطيع أن تنام, وتحب أن ترى فتاة الأحلام التي تشغل فكره في المكان والزمان.
فكر طويلا بنفسه, فكيف يستطيع أن يريحها من عذابها وشقاها وما بوسعه أن يفعل ليطفئ النار بداخلها.
فكر وفكر, حتى توصل إلى نتيجة قاسيه وقرار حاسم, قرر أن يضحي بها ضحية لها, وهذا ليريحها من همها وتأكد من أنها ستنساه بنهاية ألأمر.
فقد قرر أن يسافر بعيدا ليتعلم الطب وفي خارج البلاد, ودون سابق إنذار ودون رسالة تخبر حبيبته ألتي تنتظره على أحر من الجمر.
وقبل أن يسافر, سار المسافات فقط ليرى منزلها قبل أن يرحل.
مر بجانب بيتها وأخذ ينظر إليه بحنان ولهفة, خطوة تجذبه للبيت وعشرة خطوات يسترجعها للخلف, يريد أن يراها ولو لآخر مره, ولكنه تحمل صبر عيونه وحرمانها بأن لا يراها لكي لا يتركها تعاني عند رحيله.
فغمرت الدموع عيناه وأخذ يتمتم بعبارات لم يسمعها إلا هو والقمر الذي شهد عليه في هذه الليلة, وحوله نجوم اسمها تردد من جديد:" أرجوك لا ترحل! كلنا بحاجة لك!", وهو غير مكلف بسماعها, وكأنه لم يسمع ولم يشعر ولم يرى.
وها, قد أتى الفراق, مد يده قائلا لرب السماء:" إذا بعدي عنها نار وقربي منها جنه, فسأختار النار وأحترق بها".
وودع خطواته ألأخيرة وراءه ولم ينظر للخلف عله لا يرى ظلام الفراق, فيذكره من جديد انه عاشق وانه ربما ظلمها, وأسر قلبها, وكسر بخاطرها, فهو واثق تماما بأن خطواته هي ألأصح والأضمن لحياة حنونته, وزهرته, التي قطفها من أجمل البساتين ولم يفلح بزرعها.
فإذا أصبح يَعِش تحت شمس يومه ولا يلتفت لأمسه لأنه خيم عليه الظلام..
وفكر بيومه وغده, وإذا أمس يَعِش تحت ضوء قمر ليلته ولا يلتفت لشمس نهاره لأنها رحلت وحل مكانها الظلام, انه نفس الظلام الذي شهد عليه يوم أن ودعها رغم أنفه.
وفي صباح اليوم عبس ومتشائم أشرقت الشمس التي لا معنى لإشراقها وغردت العصافير حزينة, استيقظت الحسناء من نومها وكأنها لم تنم منذ عصور, فقد كانت تشعر بشعور لا تستطيع وصفه, (فكيف لي أنا أن أصفه؟؟؟).

فتحت ألنافدة وأخذت تنظر إلى ألشمس, وعندما رأتها الشمس اختفت!
لكي لا تراها تبكي, فقد قام القمر بإخبار الشمس ماذا رأى وماذا شهد في ليلة الوداع, عندما ذهب وترك للشمس مكانها وبزوغها في نهارها, وتحمل مصاعب الفراق الغير منتظر.
مسكت الهاتف وقصدت الاتصال مع عشيقها, ولكنها كلما حاولت باءت محاولتها بالفشل, لقد ترك لها رسالة:" حبيبتي, سامحيني فقد فعلت كل هذا من أجلك , من اجل أن تعودي لجنة اهلك ولا تتعذبي بجهنمي... لقد قررت السفر بعيدا لأسباب. إن أحببتني فعلا لا تأخذي بخاطرك مني وسامحيني وارضي عني دائما, وادعي لي بأن يوفقني الله أينما كنت, صدقيني, أنا مجنون بكِ! ولكن ما الذي يجبرك على فعل المر غير الأمر منه؟"
هذه كانت آخر كلمات يتركها الحبيب لحبيبته قبل أن يرحل ويتركها وحيده.
كل الطرق كانت مغلقه أمامها, انه لا يجيبها بالهاتف, ولا يحاول الاتصال بها, وهو بعيد عنها بمسافات ومسافات, وقد عجزت أن تلتقي الخبر الموعود.
وأخيرا قررت أن تذهب وحدها بالخفية إلى بيت حبيبها لتسأل عنه.
وهي في طريقها, ويخفق قلبها خفقتان, خفقة الخوف من أهلها, وخفقة خوفها على حبيبها. ولم تدرك ولم تشعر بان الوقت خانها وكان يمر بسرعة وانه أصبح متأخرا والشمس غابت وذهبت لتستريح.
وأخيرا عندما وصلت سألت عن بيته في كل مكان, حتى توصلت إلى عنوان أهلة, فذهبت مسرعه متلهفة.
وعندها دقت الجرس مرة, ومرة أخرى, حتى فتحت لها أمه الباب, فأخبرتها عن سبب غياب ابنها الذي غادر منذ وقت قليل إلى المطار, وقد رق قلبها عليها كأنها أمها, احتضنتها قائلتا:" كان يحبك, بل مغرم فيكِ حتى الجنون, لذلك أتخذ هذا القرار الذي لم يقرره أبدا في حياته ولم يفكر فيه".
انفجر قلبها حزنا وانهمرت بالبكاء وأخذت تركض على أدراج المنزل كالطفلة التي تركض لتلتحق ببائع الحلوى الذي سيمر من حارتها قبل أن تشتري منه. وكانت تقصد الالتحاق به قبل أن تقلع الطائرة ويغادر هذا المكان القاسي الذي لم يمكنه بإخراج همومه وعذابه.
وعندما وصلت, رأت أن الطائرة قد أقلعت, ومات من مات! ولا نسأل الميت لماذا مت! وخسارة أن نبكي على ما فات, انه أصبح بعيدا عنها بالمسافات التي تترك وراءه حبها وحنانها وخوفه عليها كالعصفور الذي طار ليجلب القوت لفرخه وهو خائف أن يعود ولا يجده.

ولكنه بالطبع محفور بقلبها وقريب منها, أخذت تركض نحو الطائرة, وتمنت أمنيتان, إما أن تصبح طائرا مع أجنحة لتحلق معه وتدق له على شباك الطائرة لكي ليراها تطير فرحا للقائه. وإما أن تموت لكي لا ترى ما لم تصدق.
هي تركض والقلوب كلها تركض معها, كل من رآها جن بجمالها وجن بمنظرها, تركض دون فائدة, وقفت على الأرض مهزومة بعد ركض دام طويلا, فأصبحت تزحف بعدما كانت تركض وتفكر بالطيران.
ساعدها من ساعدها هناك, وأخذوها إلى بيتها, ورأت أن الوقت كان متأخرا وقد فات الأوان, فكل أهلها كانوا ينتظرون مجيئها لذبحها ونحرها لأنها ذهبت دون أن تخبر احد.
وعندما رأتهم لم تخف, بل قدمتها إليهم خطواتها, وقالت بحصره قلب غمرة الظلام الذي لا معنى له:" ماذا لي بعد ألان؟ فقد ذهب ولم يعد! اقتلوني وسأموت بالأحزان, فان لم يكن هو لم يكن احد!".
فانقضوا عليها كالذئاب المفترسة واخذوا بضربها بكل نواحي جسمها, أخذت العصا تقول(أنتِ خائنه), فيقول الحبل الرفيع على جلدها مكررا(هذا قليل عليكِ, أنتِ ساقطة.....).
واترك الحديث للضرب وآلاته وضرباته التي اجتمعت وكونت معزوفة حب بائسة ومميتة لم يسمعها احد من قبل.
فلم تنم الفتاه من بعدها أبداً! حرموها طعامها وشرابها, حرموها فتح النافذة لترى النور, وتقابل شمسها لتسألها:" لماذا لم تخبريني؟".
فكانت كالسجينة مقيده بجبال بطرف السرير وكأنها قتلت كل العالم بدم بارد دون رحمة, وسجنها كان عقابها.
ولم يكن لها صديق يواسيها وقت ضيقها سوى الدموع, فهي لم تغادرها منذ أن سجنت بهذه الغرفة, لا, بل بهذا السجن! تشكي آلامها للحيطان المنحوت اسم عشيقها عليها وعلى كل زواياها , وأغاني الحزن تلوثها.
وقد كانت بعنوان( إن لم تكن قدري فقد كنت اختياري).
بكت وبكت ولم يسمعها احد, ولم يبالي بمشاعرها احد, فقد كانت بعيون كل البشر ألمجرمه الطاغية والفاسدة, ولم يتمكن احد من فهمها, مسكينة!
ومن يصدق فتاة تبلغ من العمر ثمانية عشر عاما, يصعب عليها النطق باسم الحرية؟
ومنذ ذلك الحين أخذت تغزل الشعر في نسيج قلبها دون أن تكتبه, فقد كانت تردد كل يوم نفس الكلمات والعبارات, وقد تعلمت الشعر في أعماق سجنها, وتعلمت مكانة الشعراء دون الورقة والقلم!
كانت دائما تنزف عيونها وتقول:" حبيبي, لماذا حطمت قلبا بما فيه من أمل؟ لماذا حطمت أنسانا بما لديه من أحلام؟ لِمَ العذاب منك وفيك؟
لِمَ الحب منك واليك؟ عما تبحث بعيدا عني؟ لمن تحكي أو تغني؟
هل أنت حقا ذلك الأمل الذي كنت اعرفه؟ هل أنت حقا تلك الأحلام التي أريدها, أم انك سكين تعشق الدموع والآهات من قلبي حينما تطعنه؟
كل هذا لأني احبك؟ وكل هذه الأسئلة لأني أريدك؟
واللهِ لم اعد اعرف عن محتوى شيء منها!
لا اعرف , هل هذا حب أم انتقام؟!
قل لي من بعيد, ما هو الحب حقا؟ لقد سمعت عنه بأنه شيء رائع وسامي, شيء في قمة خياله وجماله! اعرفه بأنه آية في التضحية والعطاء...!
ها..حبيبي!!
هل تعرف كيف أنا بعد رحيلك؟ فقدت ألأمل والحياة, فقدت الإحساس والحب, فأصبح قلبي لا يحوي سوى جروح ودموع, وآخر كلمات خططها قلمي المتواضع لك أنت يا توأمي, لك, أنت وحدك. استهين نفسي كثيرا وألومها على ما فات, اشعر باني كنت سيجارة في فمك تدخنني وتتلذذ بي واقضي لكَ كل شهواتك وأنا أمتعك بأجمل دخان يخرج منها وكنت تسيطر علي بين يديك, وعندما انتهيت وبان رمادي قذفت بي أرضا ولم تكتفي, بل دست علي برجليك وأطفئت نوري بعدما أشعلته.
ارحل بعيدا أيها القلب الذي أحببت! أيها اليأس الذي تركني وحيدة!
ارحل, ولكن أرجوك, قبل أن ترحل, لماذا لم تخبرني بأنك لم تحبني؟ ولن يأتي يوما وستحبني فيه!!
ثم ارحل بعيدا ولا تعد!!! لا تعد, فلم اعد أطيق الحياة مع أصدقاء جدد, فأصدقائي هم دموعي ووحدتي ويأسي".
الجدران تسمع وتنقل ما سمعت لحبيبها من بلاد ألغربة التي ازدادت غربة وعذاب. فقد كانت كالنحلة تجلب له العسل من أشهى زهر البساتين, تجلب له العسل الطيب وتكثر من سكره وتجعله يسكر بحلاوته, ولكنه بالمقابل كان يلسعها ويطير محلقا وبعدها يموت! كالنحلة بالضبط.
هو الآن وبعد سنين طويلة أصبح طبيبا عالما يبحث في علوم الطب والشفاء, ليته تعلم علاج القلوب من القهر والخوف والانهيار.
فكان يجيب الجدران قائلا:" حبيبتي, سامحيني, لم اقصد جرحك, أدرك أنني ظلمتك, ويلي من ربي يوم ألقاه, سأقول له:" لم اظلمها, بل قتلتها وهي تعاني وتصرخ من رحيلي القاسي, سأقول له تركتها تبكي وتنهار ولم أبالي بإحساسي".
وهكذا كان الحال, الجدران سمعت, الجدران أصغت, وكانت الرسول بينهم, فللعشاق لغة خاصة, حتى الجماد يفهمها.
يوم ترسله مشاعرها وتخترق الجدران وتسافر بها إلى البعيد, لكنها لم تتلاشى أبدا, بل كانت دافئة وحارة, مختبئة في معانيها حتى تصل للمحبوب أدفئ ما يكون.
فأصبح ذلك المحبوب, مجنون برؤيتها, مقتول لسماع صوتها, ولكن جاء دوره الآن لتحمل الآلام, الإعجاز عن الاتصال بمن يحب, فهي مكبلة بالقيود, تعجز عن الحراك, وهو غير قادر بان يترك عمله ويعود رؤيتها مجددا.
أصيب بالجنون لفهم حالها والشعور بالندم, وتأنيب الضمير.
أصبح يجول شوارع البلاد كالطفل باحثا عن أمه التي كانت معه من قليل.
وشفتاه تغني لها:" إلى أجمل وأرق وردة شممتها منذ أن قطفتها; سلاما أخرجه من قلب مشتاق, من عيون غسقتها الدموع, تفتش عنك في كل مكان.
يا من سكنتِ قلبي, أنادي عليكِ في الليالي, أسأل عنكِ ألطيور ألمهاجرة, علها تحمل معها جواب من بلادي, أفتش عنكِ بصحراء قلبي, أنتِ زهرة عمري وقمر حياتي وفراشة حبي, ضعي اسمي في قلبكِ كردع يمنع الشر, فإذا انكسر خذي قلبي وصدري, وان لم يكفي خذي جفني سدا يحميكِ من عيون البشر, كوني حب في القلوب, كوني مشاعل تضيء الدروب, رأيتك كهمسة تكلمتها الشفاف ألجذابة, رأيتك كوردة ذابلة وحيدة في حديقة, فمددت شرياني وأغريتها بماء حبي, ابعث فيه أحلامي, فكرت... حتى أصبحت الحديقة جنه وصرت أنا حارسها.
إن لم استطع أن أحميكِ فيحميكِ ربي من أعالي السماء.
سامحيني, وان لم تسامحيني فسأكون أسعد معذب عند ربي يوم العذاب.
وسأكتب اسمك على جدران قلبي وسأعلق تمنياتك على تاريخ حياتي, وسأقسم عندما أموت باسم حبي وحبك".
فكان كل من يمر بجانبه يأسف لحاله ويفهم من جنونه انه مغرم وانه ضحية من ضواحي الحب.
وكانت الفتاة تسمع وتصغي ولا جواب, فقط رسمت الدموع على وجنتيها عبارات مرتجفة لم يفهمها إلا هي!!
وأخذها السبات إلى عالم آخر, عالم الأحلام والتحليق في السماء!
وفي الغد فتحت عينيها ولكنها لم ترى إلا سواد, أغمضت ثم فتحت من جديد وكذلك هو الحال, كل الدنيا سواد وظلام في وجهها, بالرغم من أن الوقت باكر وقد حل الصباح! فأدركت تماما أنها لم تعد تبصر كما كانت, فقد أصيبت بالضرر!!
ولم يسمع بعدها حبيبها المجنون عنها أي خبر من الجدران ولا بلاغ, حتى الجدران بكت لحالها, القيود حزنت من أجلها, والسجن تمنى أن تصبح هزة أرضيه ويخفى من الوجود.
حينها, أدرك أهلها أنها لم تعد تخرج نفسا واحدا من داخل الغرفة , ولم تطالب بالخروج كما قبل.
فذهبوا إليها ودهشوا بحالتها, وعرفوا أنهم السبب في ضياع ابنتهم, فكوا أسرها من سجن( الحب ممنوع,والمخالف يعاقب)!!
وأخذوها إلى جميع الأطباء في المنطقة, ولكن يا للأسف, قد عجزوا جميعهم عن معالجتها!
وأخيرا وبعد سنوات من الضياع وبعد الإرهاق والتعب قرروا, أن يأخذوها لتلقي العلاج خارج البلاد, فيدعون أن الطب هناك أعلى وأجود بكثير, وهم على أمل بأنهم سوف يساعدوها عما قريب.
وها, قد سافرت الفتاه مع أهلها إلى الخارج لتلقي العلاج.
ذهبت إلى ألمشفى الذي يعمل فيه الطبيب( فلم يعد بوسعي أن أقول حبيبا), لأني لم اعد متأكدة انه حتى الآن حبيبها!!!
وعندما توجهوا إليه ليساعدها لم يعرفهم ولم يعرفوه, كل شيء تغير فقد أصبح ذلك الشاب الوسيم إنسانا كبيرا مع قامة وأكتاف عريضة, صوته تغير, ملامحه تغيرت, كل شيء فيه تغير, وقلبه... هل تغير؟؟؟
حتى الآن أنا لا اعرف أنا مجرد ناظرة من بعيد اشرف على أحداث القصة بلهفه.( اعرف انه حتى نسي اسمها من جنونه).
ولكني متأكد من أنها لو كانت تبصر لعرفته بالرغم من سنوات الضياع التي مرت من خلفها. فمن السهل على الإنسان أن ينسى روحه ولكن من الصعب عليه أن ينسى روحا سكنت روحه.
اقترب الطبيب من الفتاه وبدأ بفحصها, ويا للروعة, شعرت به الفتاه منذ أن لمسها, أراحت رائحته الزكية التي تركها أمام منزلها قبل أن يغادر, وتذكرت أنها آخر رائحة شمتها قبل أن تصعب على النفوس حالتها.
فاقترب منها أكثر وأكثر, لمس أعينها , وأشار(عمليه)!!!
فقد كان هو المشرف على عمليتها, وعالجها بنفسه, بيداه اللتان حرموا من لمسة الحبيبة منذ أعوام!
كانت تضيء لها أصابعه العشرة شموعا عند علاجها, وتصلي باسم ربي وباسم ملائكته أن تنتهي ألعمليه بخير.
وعند الانتهاء من ألعمليه التي دامت ساعات, انتظروا حتى فاقت الفتاة من غيبوبتها.
وعلى عيناها شريط ابيض يتلألأ باسم الطهارة والشرف.
انتظروا شموع الشاب لتحرق هذا الشريط ويزيل عن أعينها!
وهنا قد أتى الشاب والكل على أعصابه, وأهلها يبكون ندما وخوفا وتأنيب لضميرهم.
يقترب الطبيب الشاب منها وينزع الشريط عن عيناها, وينتظر قليلا حتى تستوعب ما حولها آملا بنجاح ألعمليه!!
فقد شبكت يدها بيده وقالت:" إن كنت فارقت حبيبا لا تظن بأنه سيعوض, فالكل يرى حبيبه مثلما أنت تراه, فالدنيا وان خلت من الأحباب بعينك, فهي بالبصيرة مليئة".
انفعل "وجدي" من كلامها ونظر إلى أعينها التي أشرقت من جديد وقالت:" لو لم تكن تشعر بك عيوني لما بكت وسببت لي الضرر, لكنها فعلت ذلك, لأنها أدركت انك ستنجيها من ظلامها وكسرة يأسها, لذلك أصبح صباحي وليلي كحل اسود لا يتغير, فقط لأصل إلى هذا المكان الذي تلقيت به علاجان, علاج بصري لأراك من جديد, ولهفتي انك أول ملاك أراه منذ أن فتحت بعد ظلام دام طويلا, وعلاج حبيبي الذي سيرافقني دروب حياتي ويضوي لي إياها بشموع ألفرحه كلما أشعلتها لي وقت ألعمليه....".
صمت حاد سيطر وساد بجدران ألغرفة وكل من فيها.
"وجدي" يضع يداه على وجهه لا يصدق ما يرى وما يسمع.
أهلها فقدوا الإحساس لحظتها وعجزوا عن الكلام. وتركوا الصمت يكمل قصته قائلا:" إذا جاء الفراق يوما, وجاء بعد الفراق ليل مظلم, أضاع قمره, فلا تنسى أن تبحث عن القمر هناك في حنايا القلب مختبئ, بدأنا الحكاية قبل الفراق أتقياء فلتنتهي الحكاية بعد الفراق عظماء.

 



تقييم (اصوات: 0)   
    تعليقات (3)        اخبر صديق        اطبع


مواضيع متعلقة بهذا المقال:
» الزوجة ... قصة بقلم : نبيل عودة
» حين غادرتنا الياسمينة بقلم خالد محاميد
» كأن شيئاً لم يكن!
» أين المشكلة الحقيقية: فيهم أم فينا ؟؟!!..
» رأسي والكرة الأرضية بقلم: نادر أبو تامر
» الخيانه تكون الامر الاصعب في بعض الاحيان لدى العشاق
» هل نحن حفيدات خديجة وفاطمة الزهراء؟؟!!


مواضيع اخرى:
نزف خارج عن النص!!! (08.18.2008)
حَيْثُنِي أَنْتِهِ وَلاَ أَنْتَهِي - شعر : آمال عوّاد رضوان (08.10.2008)
اكرهك يا عزيزي (08.10.2008)
أما أن لهذا الفارس أن يترجل !!؟ بقلم: سعيد دراوشة (07.28.2008)
سبحان الله (07.22.2008)
لا نقول وداعا يا شيخ بسام، ولكن إلى لقاء..... (07.14.2008)
خاطرة بقلم Butcher (07.02.2008)
حل أزمة السير في الناصرة دفعة لاقتصاد البلد (06.20.2008)
الانتخابات في ظل الجرافات (06.19.2008)
سوبر ستار 2100 بقلم : فادي محمد ربايعه (06.14.2008)



 

Copyright © 2005-2008 by ArabSoft. All rights reserved

:: الأرشيف  |  ابحث  |  خارطة الموقع  ::